|
حمداً لله ، وشكراً لله ، وصلاةً
وسلاماً عليك يا رسول الله .
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره ، و على طلبه، وعلى مقصود وجهه .
الحمد لله الذي هدانا لهذا ، و ما كنا
لنهتدي لولا أن هدانا الله .
عباد الله
: تدبروا آيات الله ، وأقرءوا رسائل الله لكم في كل ما يدور حولكم ، وفي أنفسكم
"
سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ
أَنَّهُ الْحَق.. " [فصلت 53]
انظروا ما يحدث حولكم في
مجتمعاتكم ، و في مجتمعات غيركم ، وانظروا في تاريخكم ، وفي تاريخ مجتمعاتٍ غيركم ،
حتى تتعلموا و حتى تدركوا ما أنتم عليه الآن ، و ما يجب أن تفعلوه لتكونوا أفضل و
لتكونوا أحسن . إن نظرتم إلى تاريخكم ، فانظروا إليه نظرةً فاحصة متأملة ، لا
تنظروا نظرةً جامدة متجمدة ، بحيث تريدون
أن تُرجعوا مجتمعكم اليوم إلى ما كان المجتمع عليه بالأمس .فهناك متغيراتٌ كثيرة
حدثت و تحدث كل يوم ، و ما كان الفرد يدركه في قديم ، أصبح متضائلاً لمتوسط ما
يدركه الفرد اليوم ، فلا تقيسوا حالكم و أفعالكم وأحوالكم ، على ما كان في قديمٍ في
مجتمعاتكم ، قياسكم يجب أن يكون نابعاً من الرجوع إلى المقصد الذي من أجله قِيل
حديث ، و ليس إلى الحروف فقط ، و ليس إلى ما فسره السابقون ، الذين كانوا أيضاً لهم
ظروفهم و لهم إدراكهم .
إن الفطرة السليمة التي نحتكم جميعاً
إليها ، والتي تستحسن أمراً وترفض آخراً ، هي أساسٌ يجب أن نرجع إليه . إن كل عالمٍ
و مجتهدٍ حاول أن ينتقد الماضي و ما فيه من سلبياتٍ ، اتُّهِم بالخروج و المروق عن
الدين ، من فئةٍ لا تستطيع أن تتطور و لا تستطيع أن تنظر إلى ما هو في صالح المجتمع
. إذا خرج عالـمٌ في يومٍ من الأيام ، و انتقد ممارسات المجتمعات المسلمة في أنظمة
حكمها ، وفيما درجت عليه ، و فيما اعتقدت أنه الحال الأمثل ، وأنه من الدين ، وأن
شكلاً محدداً للحكم هو الذي يجب أن يُتبع ، و أن هذا الشكل هو ما توارثه السلف من
جيلٍ إلى جيل ، بتأليه الأمير ، بتأليه الخليفة ، فهو المرجع الذي يُرجع إليه ،
والذي لا تُرد له كلمة ، والذي لا يُخالف له أمر ، هذا النموذج المتوارث و الذي ظن
الناس أنه من الدين ، ولم يدركوا أن الأساس في كل أمرٍ هو مصلحة المجتمع ، وأن هذا
النموذج و إن كان يصلح في وقتٍ ما ، و لمجتمعٍ ما ، فإنه قد لا يصلح لمجتمعٍ آخر ،
وفي وقتٍ آخر ، و أن العبرة بأن يحاول الناس في مجتمعاتهم أن يجدوا الوسيلة ، و أن
يجدوا النموذج الذي يُصْلَحُ به حالهم .
و لا يمكن أن يوجد هذا النموذج إلا
إذا كان هناك تفاعل بين الناس ، و التفاعل بين الناس هو التواصي بالحق و التواصي
بالصبر
" وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الْإِنسَانَ
لَفِي خُسْرٍ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ "
[العصر 1-3]
و التواصي بالحق والتواصي بالصبر لا يعني فقط التواصي في أمورٍ تعبدية ، أو في
أمورٍ تخص الفرد في علاقته بربه ، أو في معاملاته المحدودة ، و إنما التواصي بالحق
هو في كل ما يخص المجتمع ، و يخص علاقات المجتمع بمجتمعاتٍ أخري . لذلك كان المجتمع
المسلم هو مجتمعٌ يتواصي أفراده بينهم وبين بعض ، فإذا وجدوا أسلوباً يعتقدون
أنه الأنسب لهم ، عليهم أن ينفذوه ، و يظل المرجع إلى الأمة ، أن تغير هذا النظام
أو أن تعدِّله أو أن تبدله ، فلا يجيء حاكمٌ ويبقى إلى الأبد ، و لا يُطبق نظامٌ
ويبقى إلى الأبد ، إنما يُراجَع لما فيه خير الناس و لما فيه خير المجتمع .
و المعرفة الإنسانية هي ملكٌ لكل
البشر ، و التجربة الإنسانية هي ملكٌ لكل البشر ، و ما وصل إليه مجتمعٌ من
المجتمعات هو ملكٌ لكل المجتمعات ، و لا يقلل من شأن مجتمعٍ إسلامي أن يأخذ من
تجارب الآخرين ، و أن يستفيد مما وصلوا إليه لصالح مجتمعه ، فهذا أمرٌ بَدَهِيّ ، و
أمرٌ يستحسنه كل من عنده عقلٌ سليم . و لكن الناس في مرحلةٍ- حين ننظر في تاريخنا-
نجد أنهم تناقشوا و تحاوروا و كَفَّروا بعضهم البعض ، لمجرد أن يقول إنسانٌ أنه لا
مانع أن نأخذ نظاماً غربياً ، أو نستفيد من تجربةٍ غربية ، و هل هذا يجوز أو لا
يجوز في مجتمعنا و في ديننا ؟ حين ننظر إلى هذا المستوي من الحديث ومن النقاش ،
نشعر إلى أي مدىً صارت إليه مجتمعاتنا . و كذلك حين ننظر في قضايا معاصرة لأمورٍ لا
قيمة لها ، يتحدث فيها كبار فقهائنا بلغةٍ لا تتناسب مع ما صرنا إليه ، بظن إيمانٍ
وبظن أن هذا من الدين ، و هم غير قادرين على أن يُخرجوا أنفسهم ومجتمعاتهم من هذه
العثرة التي يقع فيها الكثيرون ، يوم يظنون أنهم يُكبرون الدين بحديثٍ قِيل لأمرٍ
ما و لمقصدٍ ما ، و لا يستطيعوا أن يتفهموه و يتعرفوا إليه بصورةٍ حقيَّة.
قال الفلاسفة في قديم - الفلاسفة
المسلمون - أنه إذا استمعت إلى قولٍ لا يتناسب مع عقلك ، و لا يتناسب مع ما هو
مدرك لديك وما هو
فطري - ترى فيه أنه لا يُقبل - عليك أن تتعلم كيف تفحصه ، و كيف تتعمق فيه ، و كيف
تستخرج منه حُكماً عاماً ، بتأويل هذه الألفاظ إلى معانٍ عامة ، و منها يمكنك أن
تفهم المراد ، لأنه لا يستقيم حديثٌ و لا آيةٌ تتعارض مع عقلٍ ، و مع واقعٍ فيه
صحةٌ واضحةٌ جلية . و الذين يريدون أن يرتكنون إلى منطقٍ آخر ، و أن العقل هو
محدودٌ ، و أن ربما ما نؤوله اليوم يكون في إطار علمٍ محدود ، و أن هناك علمٌ آخر
قد يكون غير مدركٍ لنا الآن ، فعلينا أن ننفذ الأمر دون فهمٍ و دون وعي ، لأن هذا
هو أمر الدين . هم بذلك يخرجون عن أصلٍ من أصول الدين ، و هو أن ليس على الإنسان
إلا ما يستطيع
" لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.."
[البقرة286]
إذا ظهر العلم الآخر ، الذي يجعلني أغير إلى شكلٍ آخر و إلى صورةٍ أخري ، فسأغير في
هذا الوقت و في هذه اللحظة ، لا مانع من ذلك ، وإنما طالما أنا أدرك اليوم إدراكاً
معيناً، فلا يجب أن أكون قائماً في تطبيقٍ لشيءٍ أجهله ، مع وجود شيءٍ أعلمه ، شيءٌ
فيه صلاحٌ للمجتمع ، مع شيءٍ فيه طلاحٌ و فسادٌ في المجتمع .
عباد الله
: إن الدين هو تفاعلٌ مع النصوص و مع ما أُمرنا به ، في إطار ما نعقله ، وفي إطار
ما ندركه ، و في إطار ما نعلمه . الدين بمعناه الأساسي لا يتغير لأنه قانون الحياة
، إنما إدراكنا نحن للدين يتغير مع تغيراتنا ومع تغيرات مجتمعنا ، و لن يضير
الإنسان شيء أن يفهم فهماً يتناسب مع قدرته ، و ليس هناك فهماً مطلقاً يريده الله
أن تنفذه أنت اليوم بشكلٍ ما ، فالله أعلم دائماً بمراده ، و مراده كما وضحه لنا ،
هو أن نكون عاملين و أن نكون عابدين
" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"
[الذارايات50]
و العبادة كما نشرح دائماً ، هو أن
نَصْدُق فيما نحن فيه قائمون ، و فيما نحن له عالمون ، و فيما نحن معه متعاملون ،
فهذا هو معنى العبادة الحقيقي .
عباد الله
: علينا أن نتعلم ، و علينا أن نتفاعل مع ديننا ، و علينا ألا نخشى شيئاً في ما تصل
إليه عقولنا ، لأن هذا هو الأسلوب الوحيد الذي يمكن أن نرقى به ، إن أخطأنا رجعنا
عن خطئنا ، وإن أصبنا بأن لم يُكشف لنا خطأُ ما اعتقدنا ، حمدنا الله على ما وصلنا
إليه ، و نستغفره أيضاً أن نكون غير مدركين لخطئنا ، و لكن نسير فيما نرى أنه
الصواب ، حتى يُكشف لنا أنه خطأ ، فإذا كُشف لنا الصواب عن خطأٍ في إدراكنا ، و
عرفنا أن هناك ما هو أصوب ، اتبعنا ما هو أصوب ، الرجوع إلى الحق فضيلة
دائماً ، وهذا هو واقع علوم أرضنا ، فما يعتقده الإنسان في قضيةٍ ما ، قد يعرف
بعد ذلك أنه خطأ ، و من الطبيعي أن ينفذ ما هو صواب - لأن ليس من العقل في شيء أن
يُكشَف لك خطأ أمرٍ ما ، و تظل في إتباع الخطأ ، و أنت تدرك صواب الأمر - هذا أمرٌ
طبيعي و فطري .
و إنما قضية الناس في الدين ، أنهم
يتعاملون في أمورٍ حياتية ، مع مفاهيم غيبية ، و يعتقدون أن هذا هو الدين ، و هذه
هي مشكلة الإنسان ، فالدين ليس ظن و ليس غيباً فقط ، الغيب هو إدراكك بأن تطلب قوةً
مما ترى ، وهذا يتمثل في كل عباداتك ، إنما إذا اتخذت أمراً في دنياك ، فيجب أن
يكون قائماً على أمرٍ تشهده و أمرٍ تعرفه ، ليس أمراً ظنياً يحتمل أشكالاً كثيرة ،
علاقتك بالغيب هي علاقةُ دعاء ، هي علاقةُ رجاء ، هي علاقةُ أمل ، هي علاقةٌ ترجو
من خلالها أن تكون أكثر قدرةً على رؤية الأمور ، و أكثر قدرةً على تنفيذها ، و ليس
هناك أمرٌ ماديٌ تقوم به ، تقوم به على أساسٍ ظني ، إنما كل ما تقوم به على أرضك
يجب أن يقوم على أساسٍ قطعي ، ترى فيه أنه الخير وأنه الحق و أنه الصواب.
عباد الله
: نسأل الله أن يجعلنا نفيق من هذه الحالة التي نحن فيها ، و أن يهدي أمتنا إلى
الرشاد ، وأن يجعلنا أهلاً لرحمته ، وأهلاً لعلمه و حكمته .
فحمداً لله ، وشكراً لله ، وصلاة
وسلاماً عليك يا رسول الله .
----------
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول
الله .
نتجه إلى الله ، ونستعين بالله
ونستنصره ، في كل ما نقوله ، و في كل ما نفعله ، نرجع إليه ، و نتوب إليه ، نستغفره
عن كل أمرٍ ، و نحمده على كل أمرٍ ، نحمده إن رأينا أمراً فيه صواب وفيه صلاح
لمجتمعنا ، و نستغفره يوم نرجع إلى داخلنا ويتكشف لنا ما أخطأنا فيه ، نستغفره
ونتوب إليه ، و نرجع إليه .
ما أردنا أن نقوله اليوم : هو أن
ديننا ، هو أن قانون الحياة ، هو أن فطرة الحياة ، هو أن الدين الذي عند الله ،
قانون الله الذي به أمرنا وكشف لنا
" لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً
إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.."
[البقرة286]
تعلمنا هذه الآية أن ليس علينا إلا ما تسعه نفوسنا ، ما تدركه عقولنا ، ما تستحسنه
فطرتنا ، ما ترضى به قلوبنا . أما إذا نظرنا إلى ديننا ، فعلينا أن ننظر إليه من
خلال ما أوجد الله فينا من فطرته ، و ما أنعم به علينا من نِعَمه ، فنفعل ما نرى
فيه صلاحنا ، وما نرى فيه نجاتنا ، وما نرى فيه الأفضل لنا ، و نبتعد عما نرى فيه
فسادنا وظلامنا . و نقرأ نصوص ديننا بقلوبٍ طاهرة ، و بعقولٍ متفتحة ، حتى نعلم ما
وراء الكلمات و ما وراء الحروف ، فلا ننفذ أمراً لا تقبله عقولنا ، ولا ترضى به
قلوبنا ، بظن دينٍ ، و إنما نسأل أهل الذكر ، و نرجع إلى قلوبنا وعقولنا .
فإذا لم نجد أهل ذكرٍ ترضى بهم
قلوبنا وعقولنا ، اتجهنا إلى الله بالدعاء و بالرجاء ، و بذلنا كل جهدٍ من جانبنا ،
لنقرأ الآيات بقلوبٍ طاهرة ، مستعينين بالله ، بالدعاء ، بالرجاء ، حتى نتفهم هذه
الكلمات و هذه الآيات بصورةٍ يمكننا أن نطبقها في دنيانا ، لأننا إذا طبقنا أمراً
، ونحن لا نقتنع به بعقولنا و لا نرضى عنه بقلوبنا ، نكون من المنافقين الذين
يفعلون ما لا يعتقدون
" فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ،
الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ ،
وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ "
[
الماعون 4- 7]
.
عباد الله
: نسأل الله أن يوفقنا لخير أنفسنا ، ولخير مجتمعنا ، و أن يجعلنا أهلاً لرحمته ،
وأهلاً لعلمه وحكمته .
اللهم وهذا حالنا وهذا قيامنا ، نتجه إليك ، ونتوكل عليك ، ونوكل
ظهورنا إليك ، ونسلم وجوهنا إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك .
اللهم فاكشف الغمة عنا ، وعن بلدنا ، وعن أرضنا .
اللهم اجعلنا لك خالصين ، لوجهك قاصدين ، معك متعاملين ، عندك
محتسبين .
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً
وارزقنا اجتنابه .
اللهم
ألف بين قلوبنا اللهم احيي قلوبنا .
اللهم ألف بين أرواحنا اللهم طهر أرواحنا .
اللهم زكي نفوسنا اللهم أثلج صدورنا .
اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا .
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته ، و لا هماً إلا فرجته ، و لا
حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا ، وشرور الأشرار من حولنا .
اللهم ارحمنا ، واغفر لنا ، واعف عنا .
" رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ
لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ "
[آل عمران 8].
|