خطبة الجمعة للسيد علي رافع
حمداً لله ، وشكراً لله ، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله .
الحمد لله ، والحمد دائماً لله ، والشكر دائماً لله ، والصلاة والسلام دائماً علي
رسول الله .
عباد الله : تدبروا آيات الله ، وأقرءوا رسائل الله لكم في تاريخكم
، وفي أحداث حياتكم ، وفي كل ما يحيط بكم ، حتى تدركوا رسالتكم ، وتدركوا كيف
تسلكون علي أرضكم ، وكيف تكسبون كرتكم ، كل إنسانٍ مسئول ، وكل إنسانٍ مكلف:
"
كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته "
"
وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ..
"
[الإسراء 15 ]
"
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
"
[
المدثر 38]
"
لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ
وُسْعَهَا
.."
[ البقرة 286]
"
مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ
وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا .."
[الإسراء 15 ]
"
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
"
[
الشمس 7 ، 8]
كل
هذه الآيات والأحاديث توضح أن الإنسان له مسئوليته وله عقيدته ، وكل إنسانٍ يختلف
عن الآخر ، وكل فردٍ له ملكاته ، وله إمكاناته ، وله طاقاته ، له رؤيته ، وله عقله
، وله قلبه ، عنده ضميرٌ ، عنده حسٌ ، قدراتٌ تختلف عن قدرات .
لذلك فلا يستطيع إنسانٌ - أياً كان - أن يقول إنه يمثل أمة ، أو يمثل دينًا ، أو
يمثل جنسًا ، أو يمثل عقيدةً ، أو يمثل فكراً . فما يقوله إنسان هو مسئوليته هو ،
هو يمثل نفسه ، هو يمثل فكره ، هو يمثل خلاصة تفكيره وتدبيره ، هو يمثل ما ارتضاه ،
وما ارتاح إليه ، وما اطمئن إليه ، وما اعتمد عليه ، وما اتفق أنه الأفضل بالنسبة
له . قد تكون هناك أنماطٌ من البشر تتفق في أمورٍ عامة ، وفي سماتٍ عامة ، ولكن يظل
كل إنسان له أصوليته وله فرديته . لذلك فحين لا يتفق إنسانٌ مع إنسان ، لا يستطيع
أن يقول مثلاً : أنه لا يتفق مع الإسلام ، إن كان من لم يتفق معه مسلماً ، و لا
يستطيع إنسان أن يقول أنه لا يتفق مع المسيحية أو مع اليهودية ، إذا كان من لم يتفق
معه مسيحياً أو يهودياً . وإنما يقول الإنسان أنا لا أتفق مع فلان ، مع هذا الشخص ،
فيما ذهب إليه ، وفيما قاله ، وفيما اعتقده ، وفيما أراده .
يختلف الإنسان مع إنسان ، يختلف الإنسان مع فكرٍ مخالفٍ له من إنسان ، و
لكن الإنسان علي هذه البشرية من ضمن صفاته التي يمكن أن نقول إنها من صفاته المظلمة
، انه يريد أن يعمم ، فإذا وجد مسلمٌ مسيحياً يقول شيئاً ما ، ولم يعجبه ما يقول ،
رمى المسيحية بالباطل ، وإذا وجد مسيحيٌ مسلماً يفعل أفعالاً لا ترضيه و لا يقبلها
رمى الإسلام بالباطل . وهذا أمرٌ يجب أن نكون واعين له ، أن هذه من صفات البشر ،
يجب أن نُقوِّم هذه الصفة فينا ، وأن ندعو الناس جميعاً أن يُقوِّموا هذه الصفة
فيهم أيضاً ، فيكون نقدهم موجهٌ للشخص الذي لا يرتضون فعله ، والذي عبر عن ذلك
أمامهم ، و الذي قال ذلك و سمعوه بأذنيهم ، لا يتكلموا عن تاريخٍ ماضٍ لا يعرفوه
تماماً ، و لا يؤمنون بما حدث فيه، ولا يتكلمون و يرمون الناس بالباطل ، دون أن
يكونوا قد رأوا بعينيهم هذا الباطل :
"
إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ
فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ
"
[
الحجرات 6]
الدقة في التحري ، وفي طلب الحقيقة ، وفي عدم التعميم ، وفي اقتصار الأمر علي حدوده
، وعلي الأشخاص الذين قاموا به . ومن الصفات التي دعانا إليها ديننا:
"وَلاَ
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
"
[الإسراء 15 ]
لا
يُجَرَّم إنسانٌ بجرم آخر ، و لا يُجَرَّم مجتمعٌ بجرم فردٍ فيه ، و لا تُجَرَّم
أمه بمعتقد فردٍ فيها ، أو بعمل فردٍ منها . القضية هي أن نعرف حدودنا ، و أن نعرف
كيف نتعامل مع الأحداث ، ومع الأفكار ، ومع كل ما يحدث حولنا .
عباد الله : إن الإنسان يوم يظن أنه ينفعل بالحق ، فيكون انفعاله
سبباً في إيذاء الآخر ، بأي صورةٍ من الصور ، الذي ليس له ذنبٌ و لا جُرمٌ مباشر
فيما يحدث ، يكون بذلك قد خرج عن حدود الاستقامة في التعامل مع كائنات الله ، ومع
خلق الله ، و مع من هم حوله في هذه الحياة . إن الإنسان عليه أن يعبر عما
يعتقده بحجةٍ بالغة ، وبعقلٍ و بمنطقٍ مستقيم ، لا يخلط الأمور بعضها ببعض ، وإنما
يعرف ما يريد ، ويهدف مباشرةً إلي الفكرة التي يريد أن يعبر عنها وأن يوصلها للآخر
. إذا نظرنا حولنا في انفعالاتنا ، وفي أفعالنا ، وفي أقوالنا ، نجد الكثير من
اللغط ، و الاختلاط ، و عدم القدرة علي التعبير ، وخلط الأمور بعضها ببعض ، لذلك
علينا أن نتعلم نحن مما نري كيف نستقيم في فكرنا ، وكيف نستقيم في حوارنا ، وكيف
نستقيم في رسالتنا ، بحيث تكون الأمور واضحةً أمامنا ، ويكون تعبيرنا تعبيرًا
دقيقًا - بقدر ما نستطيع - عما نراه حقاً .
إذا تكلمنا عن حرية التعبير، وعن عدم الإساءة إلي المقدسات ، تكون هذه
الفكرة هي محور حديثنا ، وتكون هذه هي القضية التي تناقش ما هو المقدس وما هو
غير
المقدس ، ما معني المقدس ، ما معني الإساءة ، ما معني الحرية ، ما هي حدود
الحرية ، كيف يعبر الإنسان عن معتقداته ، عن فكره ، عن رؤيته ؟ كيف يحترم حرية
الآخر ، ورأي الآخر ، وفكر الآخر ، حتى إذا كان يري أنه باطل ؟ ما هي الحدود التي
يجب أن نلتزم بها ؟ وما طريقة التقويم إذا حدث خروجٌ عنها ؟ وكيف لا يكون ذلك سبباً
في قهر ، وفي ظلم ، وفي كبت ، و في عدم حرية ؟ يمكن أن نناقش هذا بهدوء لنصل إلي ما
يجب علينا أن نفعله ، وما يجب أن نلتزم به جميعاً ، كشعوب وكمجتمعات وكأفراد ، وإن
لم نلتزم ، يكون هناك القانون الذي ينظم العلاقات والحريات والحدود التي يلتزم بها
الجميع .
لا يكون جهادنا أو حربنا هي أننا نريد أن نقتل الآخر ، أو نلزمه بأن يؤمن بما نؤمن
به ، فحريته ألا يؤمن:
"
فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء
فَلْيَكْفُرْ
"
[
الكهف 29]
ولكن الحدود التي يجب أن يلتزم بها ، هو ألا يسيء إلي الآخر ، فهذه هي النقطة . فإن
كان يلتزم بذلك ، فما يعتقده بينه وبين نفسه ، هذه حريته ، وهذه قضيته ، وهذا
اختياره . كيف ننظم ذلك ؟ هذه قضية يجب أن نناقشها كشعوبٍ وكمجتمعاتٍ بيننا وبين
بعض ، أو في داخل مجتمعٍ ، أو في داخل كل مجتمعٍ عليه أن يوجد الآلية التي تنظم ذلك
. إذا لم يرضي مجتمعٌ بما اتخذه و ارتضاه المجتمع الآخر ، لا يكون ذلك بالترهيب ،
والقتل ، والتدمير ، والتخريب ، وإنما يكون بالفكر ، وبالقول ، و بالاجتهاد الفكري
، وبالجدال لما هو أحسن ، وأفضل ، وأقوم . هكذا نكون أمة تأمر بالمعروف ، وتنهي عن
المنكر ، وتؤمن بالله ، لا بالتدمير والتخريب والترهيب ، وإنما بالفكر والمنطق
والأحسن:
"وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
"[العنكبوت
46]
"
ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ"
[النحل 125].
عباد الله : أين نحن من هذه المعاني الموجودة في ديننا ؟ أين نحن من
كل هذا ، ونحن نقوم بالتخريب والتدمير باسم الدين ، و باسم الدفاع عن الدين ، وباسم
الدفاع عن مقدسات الدين ؟ . لا يكون الدفاع بهذا الهرج والمرج ، و إنما يكون
بالمنطق ، والحجة ، و الحكمة ، والأفضل ، والأحسن ، و الأقوم .
عباد الله : فلننظر إلي حالنا ، ولنسأل الله أن يُقوِّم هذا الحال ،
وأن يجعلنا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة لنا ولمجتمعنا ، وأن يرفع عنا هذه الغمة ، وهذا
الجهل ، وهذا المرض ، وهذا الفقر الفكري .
اللهم فاجعلنا أهلاً لرحمتك ، وأهلاً لنعمتك .
فحمداً لله ، وشكراً لله ، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله .
________
الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله .
عباد الله
: ما أردنا أن نقوله اليوم هو أن علينا أن نلتزم بالآداب التي علَّمنا إياها دين
الفطرة ، والتي تنبع من واقع الحياة ، ومن واقع الإنسان علي هذه الأرض ، ومن واقع
أن كل إنسانٍ له مسئولياته ، وله قدراته ، وأن كل إنسانٍ إنما يعبر عن عقيدته ،
وعما ارتضاه وصدَّقه وآمن به ، كأسلوب حياةٍ له . وأن كل إنسانٍ مسئولٌ عن نفسه ، و
أن ما اعتقده إنسانٌ قد يختلف مع ما اعتقده الآخر ، و أن كل إنسانٍ عليه أن يحترم
ما اعتقده الآخر ، حتى لو كان يري أنه خطأ ، وأن حرية التعبير تلتزم بهذا المعيار ،
فيكون الاختلاف هو اختلاف في المنهج الذي وصل به الإنسان إلي فكرٍ معين يختلف مع
الآخر ، دون إساءات أو إهانات أو تحقير لمعتقدٍ آخر ، وأن المجتمع عليه أن ينظم هذا
بقانونٍ ، يضع آلية للالتزام بهذه المعايير ، وأن هذه المعايير قد تختلف من مجتمعٍ
إلي مجتمع ، فعلي المجتمعات أيضاً أن تتحاور حتى تصل إلي شيءٍ أفضل بينها وبين بعض
، وإن اختلفت سيظل هناك الحوار ، وسيظل هناك الفكر الذي يُنَظِّر لما يعتقده
الإنسان في مجالٍ ما ، وبرؤيةٍ ما ، و أن الاتفاق الكلي غير واردٍ علي هذه الأرض:
"وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا"
[
الحجرات13]
"
وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
"
[
المائدة 48]
فالاختلاف واردٌ وسيظل ، لذلك فإن علينا دائماً أن نتحاور بالأحسن والأفضل و
الأقوم ، وأن تكون هذه الآلية هي الآلية المستمرة في حوارٍ متصل .
عباد الله : حين ننظر إلي الوضع الراهن ، وما صرنا إليه ، نجد أن
هذه المعاني ضئيلة في وسط يقول أنه يؤمن بها ، أو يؤمن بالمنهج الذي يحتويها ،
ولكنه لا يقرؤها ولا يعرفها ، لذلك وجب علي كل إنسان يؤمن بشيء ، ويري فيه صلاحاً
للمجتمع ، أن يدعوا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة ، دون تشنجٍ ، ودون انفعالٍ ،
ودون قهرٍ ، ودون عنفٍ ، ليكون بذلك أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة لمجتمعه ، ولمن حوله .
عباد الله
: نسأل الله أن نكون من هؤلاء الذين يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون
عن المنكر ، بالحكمة والموعظة الحسنة .
اللهم وهذا حالنا لا يخفي عليك ، تعلم ما بنا ، وتعلم ما عليه الناس حولنا .
اللهم ونحن نتجه إليك ، ونتوكل عليك ، و نوكل ظهورنا إليك ، ونسلم وجوهنا إليك ، لا
ملجأ ولا منجي منك إلا إليك .
اللهم فاكشف الغمة عنا ، وعن بلدنا ، وعن أرضنا .
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا ، وشرور الأشرار من حولنا .
اللهم ارحمنا ، و اغفر لنا ، و اعف عنا .
"
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا "
[آل عمران 8]
ربنا فاجعلنا لك خالصين ، لوجهك قاصدين ، معك متعاملين ، عندك محتسبين .
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته ، ولا هماً إلا فرجته ، ولا حاجة
فيها رضاك إلا قضيتها .
اللهم ألف بين قلوبنا اللهم احيي قلوبنا
اللهم فطهر أرواحنا
اللهم أجمعنا علي ذكرك ، وطلبك ، ومقصود وجهك .
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا
مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا
فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ
الأبْرَارِ "
[آل عمران 193]
|