|
p class="body-title" align="center" dir="RTL" style="text-align:center">
خطبة الجمعة
للسيد
علي رافع
حمداً لله ، وشكراً لله ، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله .
الحمد لله الذي
هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
..
الحمد لله ، والحمد دائماً لله ، والشكر دائماً لله ، والصلاة والسلام على رسول
الله .
عباد الله :
يكثر الحديث في أيامنا هذه عن معنى الدين ، وعن مرجعية الدين ، وعن علاقة الدين
بالدولة وبالمجتمع وبالإنسان . الدين من ناحية أنه قانون الحياة ، وأنه الذي ينظم
ارتقاء الإنسان لما هو أعلى ، أو تدني الإنسان لما هو أدنى حين يترك ما يحييه وما
يقويه .. من خلال هذا التعريف نجد أن الدين مرتبطٌ بكل شيءٍ في حياتنا ، في كل
معاملاتنا ، في كل أحوالنا ، في كل أمرٍ من أمورنا ، ولكن مشكلة الإنسان أنه حين
يعتقد أن مفهومه هو الدين ـ بشكلٍ ما وبصورةٍ ما وبتطبيقٍ ما ـ فإنه يرفض أي تطبيقٍ
آخر وأي مفهومٍ آخر ، ومن هنا لجأ البعض إلى أن يخرجوا كلمة الدين من حياتهم
المدنية والمادية ، حتى لا يستأثر أو تستأثر مجموعةٌ بتفكيرها وتقول: أن هذا هو
الدين ، ومن هنا يشعر الإنسان أن هذه أو أن هذا الاتجاه الذي يفصل بين الدين وبين
حياة الإنسان المدنية والمادية والأرضية هو أمرٌ غير حقيقي.
فهناك إشكالية في أرضنا ـ ليس فقط في مجتمعنا ولكن في كل المجتمعات ـ حيث أن
كلمة الدين قد التصقت بممارساتٍ ما ، غير مقبولة بل ومرفوضة من كل إنسان ذي عقل
سليم . فباسم الدين سيطر رجال الكهنوت في الغرب على مجتمعاتهم ، وباسم الدين
ارتُكبت كثيرٌ من المجازر ، وقامت حروبٌ كثيرة قتل فيها الكثيرون باسم حكم الدين
وحاكمية الدين ، وهذا ما أدى إلى هذا الاتجاه المعاكس الذي يصل في أقصاه إلى رفض
الدين كليةً جملةً وموضوعاً ، نحن في حاجةٍ إلى فكر ٍجديد وإلى رؤيةٍ مستقبلية لهذه
البشرية ولهذه المجتمعات ، نظرةٌ جديدة وعميقة إلى معنى الدين في حياتنا ، وإلى
معنى الدين في وجودنا ، وإلى معنى الدين في ممارساتنا. الدين ينبع من الصدق ومن
اجتماع الصادقين ، من الأمة التي تجتمع على هدفٍ نبيل وهو تكريم الإنسان على هذه
الأرض ، وإعداده حتى يكون في معنى تحقيق رسالته عليها . إنها السياسة والمنهج الذي
يُعِد الإنسان لآخرته ، وليس إعداد الإنسان لآخرته هو في عباداتٍ بعيدةٍ عن مجتمعه
، أو في مناسك شكليةٍ مُحددة ، أو في صورةٍ من المعاملات مطلوبة ، إنما هي في حياته
ككل ..
إن
منتهى الإعداد للآخرة هو منتهى الإعداد للدنيا:
" خير الناس أنفعهم للناس"
هذا شقٌ أساسي ، إذا اكتمل معه اعتقاد الإنسان في أن تعامله مع الله و في أنه يهب
كل ذلك لحياته المستقبلية:
" لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا "
[الإنسان9]
فإذا كان هناك عطاءٌ له فهو يرى أن الله هو المعطي ، وإذا كان هو يقدم فإنه يرى أن
الله هو الذي يقدم ، ويفهم نظرية الخلافة على ذاته:
" إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً"
[البقرة 30]
مطلوبٌ منه أن يكون محسناً لأقصى درجة في كل ما يفعله ، وأن يكون قادراً على العطاء
في كل المحن والظروف ، وأن يكون سائلاً الله أن يعوضه خيراً عما يفعله في الدنيا
وفي الآخرة ، لذلك فإن ممارسة الإنسان الصادق لخير أمته هو جوهر الدين ، وأن ما يصل
إليه المجتمعون على خير الأمة هو جوهر الدين ، وأن النصوص التي بين أيدينا إن
فهمناها بعمق سوف نجد أنها تعبر عن ذلك ، فمعانيها هي المقصودة ، وليست أشكالها
وليست صورها ، والمجتمع المسلم حقاً هو الذي يجد الآليات التي يطبق بها هذه المعاني
.
ولا يستطيع مجتمعٌ أن ينهض بذلك وهو يعتمد على مقولة أن للدين علماءه .. فعلماء
الدين الذين يفسرون النصوص في إطارٍ محدودٍ مقيدٍ بالصور التقليدية ، والذين هم
متأثرون بخلفياتٍ تاريخية وبنظراتٍ سلفية ، هؤلاء غير قادرين على أن ينظروا نظرةً
كلية شاملة ، إلا القليلين منهم الذين استطاعوا أن يخرجوا من هذا الجمود ، ونظروا
نظرةً متعمقة في نصوص دينهم ، نحن في حاجةٍ إلى مثل هؤلاء ، وبهذا لن يكون الدين
أبداً سبباً في تعارض مصلحةٍ للأمة ، وإنما سيكون نبعاً ونهلاً يأخذ منه العلماء ما
يفيد الأمة ، دون أن يكون لمفهومهم صبغةً مقدسة ، إنما هو مفهومٌ فهموه ، ويمكن أن
يفهم آخرون فهماً آخر .. لذلك فحين ندرك هذا المعنى سوف ندرك أن كل إنسانٍ يعمل من
خير أمته يجب أن تكون له مرجعية دينية ، وليس مجموعةٌ واحدة ، إن كل إنسانٍ قال أو
لم يقول – إذا كان يعمل من خير مجتمعه – فالدين هو الصلاح والفلاح ، الدين ليس
نظرةً واحدة ، وليس رؤيةً واحدة ، وليس تطبيقًا واحداً ، إنما هو تطبيقات متعددة
ورؤى مختلفة ..
فحين نقول مثلاً أن العدالة هي أساسٌ من أسس الحكم ، فهذا لا يختلف عليه اثنان ،
وإنما تطبيقاته لها صورٌ مختلفة في النواحي الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية ،
فلا يستطيع إنسان أن يقول أنا أحتكر نظرة الإسلام بتطبيق العدالة ، بل أن كل نظرةٍ
وكل فعلٍ يحقق العدالة هو تطبيقٌ إسلامي ، بمفهوم أن الإسلام هو قانون الحياة ، هو
ما يحب الإنسان ، هو ما يفضل الإنسان ، هو جوهر الإنسان ، وليس بالمفهوم الضيق
لشكلٍ معين في الدين وتطبيقه ، إننا نريد أن نتحرر من هذه النظرة الضيقة إلى ديننا
، وفي نفس الوقت لا نريد هذه النظرة التي تُخرج كلمة الدين من حياتنا ، نريد حالاً
يجمع بين مفهوم الدين ببعده الحقيقي ، وبين التطبيق السليم الذي يحقق خير البشر ،
هذا التطبيق يمكن أن يتغير ويمكن أن يتبدل طبقاً لأحوالٍ مختلفةٍ ومتعددة ، إنما
الهدف في النهاية هو إصلاح الإنسان لربه ، هو إعداد الإنسان لآخرته ، الذي يتزامل
معه ـ تزاملاً وارتباطاً وثيقاً ـ إصلاح الإنسان لأرضه ولدنياه .
عباد الله :
لعل ما يحدث حولنا الآن يكون سبباً لمولد فهمٍ جديد ، تُصلَح به حال الأمة لتكون
أفضل ، ولتكون أحسن ، ولتكون أقوم ..
عباد الله :
نسأل الله أن يجعل منا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة لنا ولمن حولنا ، وأن يجمعنا على
ذكره ، وعلى طلبه ، وعلى مقصود وجهه ..
فحمداً لله ، و شكراً لله ، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله .
-------------------
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله .
عباد الله : ما أردنا أن نقوله اليوم : أن الدين وهو منهج الحياة -
منهجٌ لأن يحيا الإنسان - هو مرتبطٌ ارتباطٌ وثيق بكل حياة الإنسان ، بكل معاملاته
، بكل أحواله ، مرتبطٌ بسياسة المجتمع وتوجيهه إلى الطريق القويم ، مرتبطٌ بكل
القوانين التي تحكم حياته ، ولكن ليست بالصورة التي تُقَدَّم اليوم في بعض الأحيان
، من تصورٍ مُسَبَّقٍ لما يجب أن تكون عليه هذه القوانين ، وهذه السياسات التي تتسق
مع الدين .. فالدين هو معنىً أعمق وأشمل وأقوم من أي شكلٍ محددٍ يصوغه الإنسان أو
يفهمه الإنسان ، إنه معاني الخير والصلاح والفلاح والأفضل والأحسن والأقوم ، كل
المعاني الجميلة التي يجتمع الناس عليها جميعاً ولا يختلفون حولها. التطبيق يختلف،
ولا يوجد شيء (يعطي الحق المطلق لأحد أن يقول) أن هذا التطبيق هو الدين ، وأن
التطبيق الآخر ليس من الدين في شيء ، فإذا كانت هناك حاجة لهذا التطبيق بصدق ، فهو
من الدين ، بل أننا لا يجب أن يشغل بالنا هذا التعبير اللفظي ، إنما علينا أن نبحث
عن الأقوم والأحسن والأفضل والأصلح للمجتمع.
وقد قال بعض الفقهاء في سابق : (أخبروني أين مصلحة الناس ، وأنا أقول لكم كيف يكون
هذا من الدين) ، فإذا كان الأمر كذلك فلا يجب أن ننشغل بهذه الحرفية الشديدة ،
وإنما يجب أن يكون هدفنا هو إصلاح المجتمع ، وإكبار كل قيم الجمال والخير والصلاح
والفلاح ، ولا يمنعنا ذلك كأفراد أن نلجأ إلى نصوص ديننا ، كلٌ ينهل مما فيه من
معانٍ حية ، يأخذها إلى داخله ويتعرض لنفحاتها ولرحماتها لتتفاعل مع ما فيه من
صلاحٍ وفلاح ، فتخرج أفكار تصلح وتغير وتبدل ، لا لمـجرد النقل أو التقليد الأعمى ،
وإنما بالتفاعل الحقيقي مع الجوهر السليم في الإنسان ، وهذا هو الذكر ، ومطلوب من
كل فرد أن يكون ذاكراً .. فالذكر يغير الإنسان ، ويجعله يخرج بأفكارٍ نافعةٍ فالحةٍ
صالحة ، فهذه الأفكار هي نتاج ذكره ، ونتاج ما يرى في المجتمع حوله ، يتفاعل فيه كل
ذلك فيُخرج ما يفيد ، هذا هو الفقيه الحقيقي ، هذا هو العالم الحقيقي .. ليس العالم
هو من يردد أقوال الآخرين ، إنما هو من يستوعب جميع الأفكار في داخله ويستوعب
احتياجات الناس حوله ، ويكون قادراً أن يتفاعل مع كل ذلك ليخرج ما يفيد الآخرين .
عباد الله :
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً ، أن يوفق كل قادرٍ في هذه الأمة أن يقدم أحسن ما عنده
، وأن تتغير نظرتنا إلى معنى العلم وإلى معنى الدين ، إلى معنىً كريم بدلاً من هذه
المعاني التي تلوكها ألسنتنا دون وعيٍ ودون فهم ، وأن نفهم جيداً ونقدر معنى
العالِم ، وأن نجعل مجتمعنا مجتمعاً حراً تتداخل فيه كل الأطياف وكل الاتجاهات ،
فمن خلال هذا التداخل تولد المعاني الجيدة ، ويولد العلماء الصالحون ..
اللهم وهذا حالنا ، وهذا قيامنا ، نتجه إليك ، ونتوكل عليك ، ونوكل ظهورنا إليك ،
ونسلم وجوهنا إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك .
اللهم فاكشف الغمة عنا ، وعن بلدنا ، وعن أرضنا .
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا ، وشرور الأشرار من حولنا .
اللهم ألف بين قلوبنا اللهم أحيي قلوبنا .
اللهم ألف بين أرواحنا اللهم طهر أرواحنا .
اللهم زكي نفوسنا اللهم أثلج صدورنا .
اللهم اجعلنا لك خالصين ، لوجهك قاصدين ، معك متعاملين ، عندك محتسبين .
اللهم ارحمنا ، واغفر لنا ، وأعف عنا .
"
رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ
بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا
سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ "
[آل عمران 193]
.
|