|
إجابة : القضية هي قضية انفعال الإنسان و
صدقه، فهو إذا شعر أن ما يطلبه فيه خير، فهو يتحرك لتحقيق طلبه، و هنا يصبح الدعاء
عملا، و العمل يستوجب من الإنسان حركة في الاتجاه الذي يراه صوابا .. فهو إذا شعر
أن حدوث شئ هو "ما هو خير"، و أن حدوث هذا الشيء ليس في مقدرته البشرية أن يحققه
بعمل مباشر، فعليه أن يدعو الله أن يحقق له هذا الخير على ما يراه.
من ناحية الغيب قد يكون هذا الطلب ليس في صالح
الإنسان، و يكون الأفضل له أن تظل الأحوال على ما هي عليه، و لكن من ناحية التقييد
هو لا يستطيع أن يضع هذه الفروض أو هذه المعرفة المجهولة عليه موضعا يقعده عما يراه
انه الخير، و لهذا عليه أن يتحرك بالعمل أو بالدعاء أما النتائج فليترك لله أمره
فيها.
و نحن إذا و سعنا القضية بعض الشيء، نجد أن
الأمر أو المطلوب من الإنسان هو الاستقامة في الأسباب و التحرك من اجل تحقيق غايته
عن طريق العمل، الذي هو سبب لحدوث الخير المنتظر، ولكن النتيجة هي خلاصة كلية
لارادة إلهية، هي موضع إيمان و لكنها ليست قيودا أفرضها على نفسي بحيث أمنع نفسي من
الحركة سواء كانت عملا مباشرا أو دعاء.
الله فعال لما يريد حقا و ذلك بحركتي و بقدرتي
و بعملي. و لذا فهو وراء انفعالي و نيتي و وراء همتي و عزيمتي ، و لكن من ناحية
التقييد فإن كل فعل هو مسئولية الإنسان الذي يقوم به.
المهم في الأمر هو أن الإنسان يكون صادقا في
رؤيته، و في نيته. من هنا لا يجب أن نعتبر الدعاء تجاوزا مع الله و هو القائل "أجيب
دعوة الداع إذا دعان " {البقرة(2): 186}و القائل "فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم
يتضرعون"{الأنعام(6):42}. الإنسان الذي يمتنع عن الدعاء يصبح لسان حاله أنه في حالة
استغناء.
و نحن نقرأ في أسوة رسول الله مثلا في
الاستقامة فيما يراه خيرا فعندما يخاطبه الله "إن تستغفر لهم سبعين مرة لن يغفر
الله لهم " فماذا يقول، يجيب الرسول :" سأزيد ". هل هنا يقف ضد قضاء الله. طبعا ليس
الأمر بهذا الشكل، و لكنه يتفاعل مع ما يراه الخير و مع ما يراه الرحمة.
قضاء الله ليس بعيدا عن الأسباب .. نحن أدوات
لنحقق قضاء الله .. إذا كان هناك طبيبا نجح في علاج مريض ، فهذا قضاء الله، و لكن
أن يترك المريض يتألم لأن الله سيشفيه، فهذا تغييب عن منطق الأسباب الذي يدل على
جهالة بقانون الله. و قد يكون هناك مرض بسيط، و لكن 0يخطئ الأطباء في التشخيص و
يسببون مشاكل تؤدى إلى المزيد من الآلام .. هنا ندرك أن الأمر ليس في يد الإنسان
كاملا و أن التوفيق من الله. ولكن هذا الإدراك لا يمنع الطبيب من أنه يحاول أن
يجتهد في التشخيص و في العلاج ، و أن يلوم نفسه على الأخطاء التي ارتكبها في الحالة
الثانية و أن يجتهد ألا يعيد خطأه و هكذا.
استفسار : و لكن مهما فعلنا و كانت إرادة الله
غير ما نريد لن نستطيع أن نصل إلى ما نريد.
إجابة : هذا السؤال بهذا الوضع خطأ .. مثلما
حدث في الفكر الإسلامي و تنازع المتكلمون حول قضية التخيير و التسيير أي هل الإنسان
مخير أم مسير ؟ إذا كان السؤال خطأ فستكون الإجابة أيضا خطأ. و ذلك مثلما أضع
الحياة كلها في كلمتين إما .. أو .. بينما الواقع يشهد أن هناك الكثير من التشابك و
من العلاقات و من المتغيرات التي لم اذكرها. فهذا الاختزال الفكري يسبب بلبلة
كبرى.
و لنبدأ من الواقع المشهود, أليس لكل منا
إرادة حقيقية يستطيع بها أن يتحرك و أن يقرر و أن يتخذ الخطوات التي من اجلها يحقق
ما قرره؟ .. ألم نجتمع اليوم بناء على إرادة كل منا؟ .. ألم نتخذ الوسيلة المناسبة
حتى نجئ من المكان الذي كنا فيه لنصل إلى هذا المكان؟.. ألا يعرف كل من الحاضرين
ماذا سيفعل غدا أو بعد لحظات عندما ينفض هذا الاجتماع ؟
هل من المعقول أن نلغى هذه الإرادة و ننفيها
تماما؟ .. هذا فيه تجاوز غير مقبول.
الله أراد .. هذا حق .. و لكن هذا على مستوى
التجريد على مستوى الإيمان لأنني لا يجب أن أضع إرادة الله تابعة لإرادتي، ولهذا
أقول " و ما توفيقي إلا بالله "، " وما تشاءون إلا أن يشاء الله " {التكوير(81):
29} " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه "{البقرة(2): 255} . إذن من منطلق التجريد و
من منطلق الخشية و الإيمان لا يحدث شيئا في الكون إلا و هو في علم و بعلم الله،
وبإرادة الله.
ليس الأمر هو وضع موقف بين خيارين إما أن أكون
مسيرا، و إما أن أكون مخيرا .. لأنني الاثنين معا .. و لكن أهم من هذا هو أن اتحمل
المسئولية كاملة عن كل فعل أقوم به من منطلق التقييد، لأني لي إرادة ولى عقل ولى
قدرات و جوارح تعمل. و في نفس الوقت و على نفس المستوى أن أؤمن أن هناك قوة غيبية
تعمل وراء كل شئ، و تخلق الأسباب. و هذا ما يجعل الإنسان يشكر الله دائما على
توفيقه له إذا احسن، و يستغفره إذا أساء.
هذا السؤال الذي تسألونه يجئ بصورة مختلفة
مثل: هل للإنسان وجود مع وجود الله ؟
نعم و لا، الإنسان له وجود .. لأن له ذاتا،و
لأنه يتحمل مسئولية و يحسن و يسئ و يخطئ و يصيب. و الإنسان ليس له وجود مع وجود
الله، لأنه في هذا الكون هو يتحرك في ظل خطة إلهية محكمة، و يؤدى الرسالة التي هو
منوط به أن يؤديها.
هذا الإدراك لا يجب أن يقعده عن الاستقامة في
الأسباب .. مثلا إذا وجد جريمة و كان في مقدرته أن يمنعها .. هل يستوقفه التفكير
فيما إذا كان الله يريد أن هذا الإنسان يقتل فيتركه أو أن الله يريد أن ينجيه فيقوم
بمنع الجريمة ؟!.. الإنسان السوي سيتحرك مباشرة نحو منع هذه الجريمة .. قذ ينجح و
قد لا ينجح، قد يصاب هو بضر لم يكن متوقعه .. و لكنها مسئوليته أن يدفع الأذى، و
إلا أصبح مشتركا هو نفسه في هذه الجريمة .. هذا هو المنطق المقبول لكل ذي عقل سليم
.
و هذا المنطق لا يخترق منطقة الإيمان .. أن
الله وراء كل شئ.
إذن أن ادفع السوء ، و أن أحارب الباطل و أنشر
كلمة الحق هي واجبات و مسئوليات قد أنجح و قد أفشل في الوصول إليها كغايات، و لكن
المهم في الأمر أنني استقمت بصدق مع رؤيتي و اتجهت نحو الغاية التي أرى أنها تمثل
لي الخير. و عملت بكل أدواتي .. عقلي بالفكر .. و جسدي بالعمل .. و قلبي بالدعاء .
|