|
|
|
||||||
![]() |
|
|
|
|
ماذا تعني لنا كلمة دين نأمل في هذه المجلة أن نلتقي على كلمة سواء .. كلمة طيبة .. وأن نتبادل مع الإنسان في كل مكان المعرفة والخبرة، وأن تمتد يدنا إلى من يطلب الحق صادقا، ومن يبتعد عن الهوى والباطل مخلصا. وحديثنا هو وصلة وتواص، وتذكرة وذكرى، وجمع واجتماع. بادئ ذي بدء نحب أن نتعرض في هذه الافتتاحية إلى هدفنا من هذا التواصل مع القارئ الذي تنقل إليه شبكة الاتصال كل ما يحدث في العالم. فنحن نتحدث عن "الدين"، وتدور حياتنا حوله. ونؤمن بأن هناك دينا حنيفا واحدا جامعا. إذا أطلقنا عليه "الإسلام" فذلك لأن ذلك الوصف يحوي داخله معناه .. معنى الدين الحنيف، حيث يُسلم الإنسان بمعنى أن يتوافق مع قانون وجوده فيكسب هذا الوجود حقا. ولكن قبل أن نبدأ في تقديم ما نقصده بالدين، وما نقصده بأن الدين عند الله هو الإسلام، علينا أن نبين ما نرفضه عند استخدام كلمة "دين". ذلك أن تلك الكلمة لها استخدامات عديدة، وعندما تذكر تختلط بمفاهيم متوارثة أو مستحدثة ولكنها تسئ استخدام الكلمة أو لا تعني لنا ما تعنيه لمن يستخدمها. فنحن لا نستخدم هذه الكلمة بمفهومها الشائع من أنه دلالة على طقوس وعقائد متباينة ومختلفة في كل المجتمعات الإنسانية بدائية ومعاصرة متقدمة. الدين بهذا المعنى قد يشير إلى عبدة الشيطان، كما يشير إلى غيرهم دون تمييز، ويحوي البدايات الأولى في سعي الإنسان للتقرب إلى الطبيعة بطقوس ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تعبر تلك الطقوس إلا عن وعي ناقص بقوانين الطبيعة.. لا يعني الدين بالنسبة لنا أوامر صماء وشعائر بكماء وسير على غير هدى بقلوب عمياء. لا نعني بكلمة "دين" أن نفرق بين الأديان المنزلة بعضها والبعض من ناحية، وبينها وبين الوعي الفطري المستقيم في مختلف الثقافات. فإذا كان البعض يصف بعض الصراعات أنها صراع بين الأديان فذلك لأنها اتجاهات بعيدة عن الحق ولكن تتخذ الدين ستارا. بعبارة أخرى قد يكون هناك اختلافات بين من ينسبون أنفسهم إلى الأديان فهذا واقع اجتماعي سياسي تاريخي، ولكن لا يعني هذا أن هؤلاء يمثلون من ينتسبون إليهم من الرسل والأنبياء والحكماء. نحن على يقين أنه إذا صدق السعي وخلصت النية لتلاشت المسميات، وأصبح الالتقاء على الهدف والغاية من الحياة هو الجامع بغض النظر عن الانتساب إلى اسم دين نتيجة الميلاد، وبدون أن يطلب إنسان من إنسان أن يغير من اسم دينه إلى اسم آخر. فالعبرة ليست بالأسماء ولكن بما يوجه الإنسان في سعيه. كلمة "دين" إذن بالنسبة لنا تعني ببساطة شديدة منهج .. نهج .. طريق .. له هدف وغاية. يسير الإنسان على هدي من الفهم عن نفسه .. عن حقيقته .. وعن وعي بقانون الحياة .. هذا القانون الذي جاءت الأديان لتشرحه وتضعه في رموز نطلق عليها عبادات أو مناسك، وتوضحه في الكتب والتبليغ، وتترك السعي والجهاد في التطبيق. إن الدين أسلوب في الحياة عبر عنه الأنبياء والرسل من خلال حياتهم التي يجب أن تظل لنا مثال نهتدي ونستبصر به، لنخرج من الظلمات إلى النور. كي نخرج من الظلمات إلى النور فنحن في حاجة إلى أن نعرف الطريق .. القانون الذي يمكن أن نسير على هديه، فالبذرة في حاجة إلى التربة والماء والهواء كي تنبت وتصبح زرعا، والطفل في حاجة إلى الغذاء والرعاية حتى ينمو إنسانا مكتملا. وكلما زادت معرفة الإنسان، كلما زاد وعيه بالقانون، واستطاع أن يستفيد منه، فيدرك مثلا أن هناك من الأغذية ما يضر ولا ينفع، وأن الحركة ضرورة للإنسان حتى يصح. فإذا لم يستخدم هذه المعرفة فإنه يكون قد فرّط في أمر نفسه، وسيجني نتيجة فعله. ويجئ التبليغ أيضا ليرشدنا ويعلمنا عن طريق استخدام المجاز، فيقول لنا السيد المسيح "ازرع كلمة الله في أرض ناسوتك"، ويبلغنا القرآن: (كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض فما لها من قرار)إبراهيم (14): 24، 25، 26 تلفت نظرنا هذه الأقوال إلى وجود القانون الذي يزداد إدراكنا عنه ووعينا به كلما ازدادت معرفتنا، وخلص سعينا، وصدقت نيتنا. وإيماننا بهذا القانون الكلي الشامل يجئ تدريجيا مع إدراك الإنسان بما يحيط من مظاهر الطبيعة، وما يحكمها من قوانين. (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) العنكبوت (29) : 20 (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) الذاريات(51): 21 فالطبيعة تحمل إلينا رسالة ويتجلى فيها وبها المبدع بكل ما في إبداعه من دقة ونظام، فكل شئ عنده بمقدار. هذا القانون الكلي الشامل لا يقف عند ما نعرف عنه، ولا يشمل ما نعلم عن قوانين الطبيعة، ولكن يحكم مالا نعلم من وجود غيبي، يعز علينا إدراكه والإحاطة به، فهو دائما يتنزه ويتعالى، ولا يتحدد أو يتشكل بصورة "تعالى الله عما يصفون". من هنا كانت شهادة أن لا إله إلا الله في أحد معانيها هي إدراك للمصدر الحقي الواحد الذي يحكم وينظم الوجود، والذي نجد أن كلمة القانون الكلي دلالة عليه، ويصبح الدين من هذا المنطلق هو الإيمان بوجود هذا القانون، دون الإحاطة به .. ذلك الإيمان القائم على الوعي به والإدراك له، إدراكا قائما عن طريق الخبرة والمعايشة، وليس مجرد الترديد والقول. عندما يدرك الإنسان أن هناك قانونا كليا شاملا يحكم ما يعلم وما لا يعلم، يحكم ويسبر ما نطلق عليه الطبيعة، وما هو فوق الطبيعة .. يحكم تطور الإنسان الروحي والمعنوي، فيدرك أنه إذا اتبع هذا القانون في حياته، وأعطى للروح حقها من الغذاء فإنه في هذا المعنى يعرض نفسه لقانون الوجود والاستمرارية. أما إذا أنكر على نفسه هذا، وسار على غير هدى وبدون هدف إلا الأهداف المادية المجزأة، التي هي في الواقع خداع، فهو يسير في طريق الفناء طبقا للقانون الكلي. أن يكون للإنسان هدف من الحياة يتخطى الأهداف المادية الجزئية، ويربط بين ما يفعله الإنسان لحياته الدنيا ولحياته الأخرى، فهو هنا يعبر عن الجزء الثاني من الشهادة .. أنه يشهد أن محمدا رسول الله. أي أنه يشهد بأن هناك مثالية بشرية قد حققت لنفسها وجودها، وأصبحت في هذا الوجود رسولا دائما للإنسان في كل مكان وزمان يبين له الطريق، ويصبح له دائما معه الرفيق أو كما قال الصوفية"لو غاب عني رسول الله طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين". الرسالة التي يحملها محمد هي رسالة الرسل جميعا .. والمثالية التي يعبر عنها هي التعاليم الفطرية النقية الحنيفة، ولذلك جاء القرآن ليعبر عن هذا المعنى في قوله(ما كان إبراهيم يهوديا ولانصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما) آل عمران (3): 67 ولهذا فإن من يتبع مثالية محمد، أ ي من يشهد أن محمدا رسول الله، هو من يسعى إلى الحق خالصا مخلصا، فيتجاوب معه الحق، ويسير على الهدى وفقا لهذا القانون الكلي العظيم. من يُسلم نفسه له فهو مسلم. |